الشيخ عبد الغني النابلسي
115
كتاب الوجود
حتى يصير موجودا ؛ أي متصفا بالوجود عند العقل القاصر المخطي في إدراكه بأن الوجود صفة الموجود كما ذكرنا ، وإنما افتقار كل شيء إلى الوجود باعتبار الشيء في نفسه وفي أحواله التي هو عليها بكونه ممكنا مقدرا بتقدير اللّه تعالى له ، محدودا مرسوما بحدود ورسوم ممكنة مثله ، لا باعتبار كونه موجودا ؛ إذ لا وجود لشيء أصلا كما سنحققه ، وإنما وصف الشيء بالوجود حكم عقلي جاء في قصور الإدراك العقلي « 1 » بسبب دعواه الاستقلال في نفسه ؛ ولهذا ورد في الخبر : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » . قال النجم الغزي - رحمه اللّه تعالى - في كتابه « منير التوحيد » : روى الصوفية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » ، وإن أنكره بعض المحدّثين ، فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ وإن كان يحتاط في إثبات الأحاديث النبوية ، وقد ذكر هذا الحديث أقضى القضاة الماوردي « 2 » في كتاب « أدب الدين والدنيا » ، قال « 3 » : « روى عن عائشة - رضى اللّه عنها - أنها قالت : يا رسول اللّه من أعرف الناس بربه
--> ( 1 ) المعرفة يجب أن تكون عقلية ، وحقيقة الوجود والأشياء لا تدرك إلا بالعقل ، ولقد تساءل برمنيدس : إلى أي شيء يمكن أن يتغير الوجود ؟ هل يتغير إلى وجود آخر أم إلى عدم ؟ يعتقد برمنيدس أننا لا نعرف إلا الوجود ، وهو وحده موضوع الحقيقة ، وهو واحد وكامل ؛ لأنه من صفات الواحد أن يكون كاملا ، والوجود الواحد والكامل لا يطرأ عليه أي تغير ، فهو أولا : لا يمكن أن يتحول إلى حالة أخرى أفضل من الوجود ، وثانيا : فهو لا يمكن أن يصبح عدما ؛ لأنه موجود . [ الفكر الفلسفي ( 69 ، 70 ) ] . ( 2 ) ستأتي ترجمته . ( 3 ) الماوردي هو الإمام العلامة ، أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي الشافعي ، صاحب التصانيف . حدث عن الحسن بن علي الجبلي صاحب أبى خليفة الجمحي ، وعن محمد بن عدي المنقدي ، ومحمد بن معلى ، وجعفر بن محمد بن الفضل . حدث عنه : الخطيب البغدادي ووثقه ، وقد ولى القضاء ببلدان شتى ، ثم سكن بغداد ، وله تصانيف كثيرة في الفقه والتفسير وأصول الفقه والأدب ، مات ببغداد سنة ( 450 ) . ترجمته : تاريخ بغداد ( 12 / 102 ، 103 ) ، المنتظم ( 8 / 199 - 200 ) ، معجم الأدباء ( 15 ، 52 ، 55 ) ، الكامل لابن الأثير ( 9 / 651 ) ، اللباب ( 3 / 156 ) المعبد ( 3 / 223 ) ، الميزان ( 3 / 155 ) ، البداية والنهاية ( 12 / 80 ) ، طبقات السبكي ( 5 / 267 - 285 ) .